مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
323
موسوعه أصول الفقه المقارن
وقته من موارد تطبيق الاستصحاب ، فإنَّ هذا لا يجوز إجماعاً ، ولم يقل به أحد . وكذا الكلام في النهي الحرام والمكروه ، فهو أولى بعدم توهُّم إجراء الاستصحاب فيه ؛ لأنَّ مطلقه لا يفيد التكرار ، وكذلك حال التخييري ، والاستصحاب لايتصوَّر فيها . أمَّا الأحكام الوضعية وهي السببية والشرطية والمانعية ، فينبغي النظر في كيفيتها ما إذا كانت مطلقة دون تقييد بزمان - كالإيجاب والقبول - أو مقيّدة بوقت معيَّن - كالدلوك سبباً للصلاة وكذا الكسوف - إذ في الأخير يكون السبب وقتاً للحكم . ثمَّ يقول : فظهر ممَّا مرَّ أنَّ الاستصحاب المختلف فيه لا يكون إلَّافي الأحكام الوضعية « 1 » . بالطبع لا ينفي وقوع الاستصحاب في الأحكام التكليفية ، لكنه يرجعه إلى الاستصحاب في الأحكام الوضعية ، حيث يقول : « ووقوعه في الأحكام الخمسة إنّما هو بتبعيّتها ، كما يقال في ماء الكرّ المتغيّر بالنجاسة إذا زال تغيُّره من قبل نفسه : بأ نّه يجب الاجتناب عنه في الصلاة ؛ لوجوبه قبل زوال تغيُّره ، فإنّ مرجعه إلى أنّ النجاسة كانت ثابتة قبل زوال تغيُّره ، فتكون كذلك بعده ، ويقال في المتيمِّم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة : إنّ صلاته كانت صحيحة قبل الوجدان ، فكذا بعده ، أي كان مكلّفاً ومأموراً بالصلاة بتيمّمه قبله ، فكذا بعده ، فإنّ مرجعه إلى أنّه كان متطهّراً قبل وجدان الماء ، فكذا بعده ، والطهارة من الشروط » « 2 » . رُدَّ بالأمور التالية : أولًا : المحقّق العراقي يرجع تفصيله إلى تخيُّل أنَّ الأحكام الوضعية أمور عقلية انتزاعية ، لا تكون بنفسها أثراً مجعولًا ولا موضوعاً لأثر كذلك حتَّى يجري فيها الاستصحاب ، أي أنّها ليست من الأمور المجعولة بيد الشارع مباشرةً ، فيمكن استصحاب بقائها ، وهذا التخيُّل فاسد ، فإنَّها قد تكون مجعولة وقد تكون موضوعاً لأثر مجعول « 3 » . ثانياً : قصر حجّية الاستصحاب على الأحكام الوضعية دعوى دون برهان ، ولم يأتِ الفاضل التوني ببرهان عليه ، مع أنَّ أدلَّة الاستصحاب عامة وليس هناك ما يدلُّ على تقييدها أو صرفها عن الأحكام التكليفية « 4 » . ثالثاً : التحقيق يثبت أنَّ الأحكام الوضعية غير محدودة بالثلاثة ( الأسباب والشرائط والموانع ) التي ذكرها ، بل هي أكثر بكثير ، مثل الصحة والفساد والرخصة والعزيمة . . . « 5 » . وهناك إشكالات أخرى أطال فيها الشيخ الأنصاري « 6 » . القول الثامن : التفصيل بين ما ثبت بالإجماع وبين غيره وهو القول بحجّية الاستصحاب في الموارد الثابتة بغير الإجماع ، وعدم حجّيته في الموارد الثابتة بالإجماع ، وشأن الاستصحاب هنا يرجع إلى الحكم الشرعي ، بأن يتفَّق على حكم في حالة ثمَّ تتغيَّر صفة المجمع عليه ، فيختلفون فيه ، فيستدلّ مَن لم يغيّر الحكم باستصحاب الحال « 7 » . ذهب الأكثرون [ أي من الشافعية ] منهم : القاضي ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي ، وابن الصبَّاغ ، والغزالي إلى
--> ( 1 ) . الوافية : 200 - 202 . ( 2 ) . المصدر السابق : 202 - 203 . ( 3 ) . نهاية الأفكار 4 ق 1 : 87 . ( 4 ) . المصدر السابق . ( 5 ) . فوائد الأصول 4 : 384 - 387 . ( 6 ) . انظر : فرائد الأصول 3 : 121 - 148 . ( 7 ) . البحر المحيط 6 : 21 ، إرشاد الفحول 2 : 257 .